تشاجر الجيران في بيت العم خالد، وحضر رجال الشرطة للتحقيق وفض النزاع، فادعى كل طرف منهما أن الطرف الآخر هو المعتدي.
احتكما الطرفان إلى العم خالد، ليحكم بينهما ويقول بما شهده، فقال إنه خرج من شقته فوجد جيرانه يتشاجرون فحاول أن يصلح بينهم، أما من منهما البادئ بالعدوان، فالله أعلم.
حاول كل طرف من المتشاجرين أن يستميل العم خالد إلى صفه، لينصره على الطرف الآخر، ولكنه أصر على قوله إنه لم يشهد الواقعة من بدايتها، لكنه خرج فوجدهم يتشاجرون، والله أعلم من بدأ بالعدوان. ثم توسط في الصلح بينهما والصلح خير.
واستطاع العم خالد أن يقنع المتخاصمين بالصلح فهم جيران، وأن يصفح كل منهم عن خطأ جاره، فاصطلحوا وصافح بعضهم بعضا. وشكر رجال الشرطة للعم خالد حسن تصرفه، كما شكرهم العم خالد، لسرعة استجابتهم بالحضور فور استدعائهم.
حوار الأب والابن عن علم الله الشامل
وعندما عاد العم خالد إلى شقته، سأله ابنه هشام:
“سمعتك يا أبي تقول: الله أعلم بمن بدأ بالخطأ، فهل يعلم الله كل شيء، حتى هذه الأشياء الصغيرة؟”
قال والده: “فلنجلس أولا يا هشام لأشرح لك اسما من أسماء الله الحسنى، وهو العليم.”
“العليم معناه أن الله سبحانه وتعالى، يعلم كل شيء علما يشمل كل ما يحيط بهذا الشيء، وسابقا على وجوده، وهو سبحانه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وهو يعلم الغيب، وينفرد وحده بعلم الساعة.”
قال هشام: “وهل يعلم يا أبي من ضرب هذا، ومن سرق هذا ومن قتل هذا في جميع خلقه؟”
قال والده: “علم الله يا بني محيط شامل لكل شيء في الكون، كبر أو صغر، فيعلم عدد حبات الرمال والحصى في الصحارى والجبال، وعدد قطرات المياه في البحار والأنهار، وعدد أوراق الشجر، وعدد شعرات الرؤوس ويعلم من بدأ بالخطأ، ومن قتل ومن ضرب ومن سرق.”
“كما يعلم عدد الحبوب في السنابل، وهذا العلم الدقيق الكامل، المحيط الشامل، اختص به الله وحده جل وعلا. وقد ينير الله تعالى بعض العقول بحقائق على قدر طاقتها من المعارف الكونية، والغيوب الخفية، وهذه المعارف والغيوب إنما هي شيء ضئيل إلى جانب علم الله.”
مقتل الشيخ الثري وطمع الورثة
قال هشام: “وهل عندك يا أبي قصة عجيبة تحكيها لي، عن واقعة حدثت كشف الله فيها عن الجاني للناس؟”
قال والده بعد تفكير: “سأحكي لك يا هشام عن واقعة عجيبة، تدل على علم الله الواسع الشامل.”
فقد فوجئ بنو إسرائيل ذات صباح، بجثة شيخ تقي صالح من كبار شيوخهم، ملقاة على قارعة الطريق، غارقة في دمائها، وكان القتيل غنيا يملك مالا كثيرا، والأغنياء الأتقياء قليل بين اليهود، ولم يكن للشيخ أولاد، فتؤول ثروته بحكم الوراثة إلى أبناء أخيه.
وجاء أبناء أخيه يبكون عمهم القتيل، يصرخون ويشقون ثيابهم بينما السرور يملأ قلوبهم، وعقولهم تدور بسرعة وكل منهم يحسب نصيبه من ميراثه المنتظر، من الثروة الطائلة التي يملكها عمه القتيل.
أسئلة بني إسرائيل عن البقرة المطلوبة
وتساءل الناس: ترى من يكون القاتل؟ ومن هو المستفيد من قتله؟ فلم يكن للقتيل أعداء، ولم يترك القاتل أي أثر يدل عليه وعجز القوم عن معرفة الجاني، وكاد الأمر ينتهي عند ذلك، حين ارتفع صوت يقول: “نذهب إلى نبي الله موسى ليسأل ربه عن القاتل.”
وانطلقوا جميعا إلى نبي الله موسى، ودعا موسى عليه السلام ربه وأكثر من الدعاء، فأوحى إليه ربه أن يأمر قومه أن يذبحوا بقرة.
فصاحوا قائلين: “أتتخذنا هزوا؟”
قال موسى: “أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين.”
قالوا له: “ادع لنا ربك يبين لنا ما هي.”
فأخبرهم موسى عليه السلام أنها بقرة عوان، أي متوسطة العمر.
فعادوا يسألونه في عناد ومماطلة: “ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها؟”
قال: “يقول ربي إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين.”
وسألوه عن صفات البقرة التي سيذبحونها؟
قال إنها بقرة لم تحرث الأرض من قبل، ولم تدر في ساقية، خالية من العيوب.
القتيل يكشف عن قاتله
ووجدوا بقرة بنفس الأوصاف عند صبي صالح، اشتهر بطاعة أبيه وبره به. واشتروا البقرة من الصبي بعشرة أمثال وزنها ذهبا وذبحوها.
فأمرهم موسى عليه السلام أن يضربوا جثة القتيل ببعضها أي بجزء منها، فانتصب القتيل من فوره واقفا، فسأله موسى: “من قتلك؟”
فأشار إلى أحد أبناء أخيه وقال: “هذا هو قاتلي.”
ولم يلبث أن سقط ميتا.
قال هشام في سرور: “شكرا لك يا أبي، حقا إنها قصة عجيبة!”





