في ليلة من ليالي الشتاء الباردة.. جلست رحاب وحدها في غرفتها، تراجع دروس الغد، وتحفظ بعض الآيات القرآنية المقررة عليها.
ولكن رحاب توقفت عند كلمة في الآية، لم تستطع فهمها، فأسرعت إلى والدها وقالت: “من فضلك يا والدي، ما معنى كلمة القيوم؟”
قال والدها: “القيوم اسم من أسماء الله الحسنى.”
قالت رحاب: “هل يمكن يا والدي أن تشرح لي معنى هذا الاسم؟”
قال والدها في سرور: “اجلسي إذن بجانبي، لأن شرحه سيطول.”
وما إن جلست رحاب، حتى سمعت أصواتا قوية خارج البيت.
إنه صوت الرياح الهوجاء، تهز الأرض وما عليها، وصوت الرعد يزلزل البيوت والقلوب. ورأت رحاب النافذة تهتز بشدة.. فاستأذنت والدها لتحكم إغلاقها.
رحمة في ليلة عاصفة
وفي أثناء ذلك، تسلل إلى أذنها صوت كائن يبكي.. أرهفت رحاب السمع، فإذا بصوت قطة صغيرة، وبدلا من أن تحكم رحاب إغلاق النافذة.. فتحتها لترى مصدر هذا الصوت الخافت.
رأت رحاب القطة الصغيرة، فقالت: “يا للمسكينة! إنها ترتعد من البرد.”
أغلقت رحاب النافذة، وأسرعت إلى خارج البيت، رغم تحذير والدها، من تعرضها لنزلة برد.
ورغم الأمطار وبرودة الجو، انتشلت رحاب القطة الصغيرة، وعادت بها إلى الداخل، حيث الدفء والطعام.
قال والدها: “خيرا ما فعلت يا ابنتي.”
فلما اطمأنت رحاب على القطة الصغيرة، عادت إلى والدها، الذي راح يشرح لها اسم القيوم.
الآيات القرآنية ومعنى القيومية
قال: “ورد اسم القيوم بالقرآن الكريم في ثلاث آيات شريفة.. هي قوله تعالى (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ)، والسنة هي النوم الخفيف. وقوله تعالى (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، وقوله تعالى (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا).”
“ومما يدل عليه اسم القيوم؛ أن الله سبحانه وتعالى وحده هو قيوم الدنيا والآخرة. فالإنسان منا يعلم أشياء وتغيب عنه أشياء، وتخفى عنه أشياء، ولكن الله وحده سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء، وهو وحده الذي يعلم السر وأخفى وهو وحده المحيط العليم. فإن قيوميته هي القيومية الحقيقية التي لا يغيب عنها علم، ولا يخفى عليها شيء.”
القيوم الذي لا ينام ولا يتغير
قالت رحاب في سرور: “ما أجمل هذا الكلام يا والدي. أرجو أن تزيدني منه.”
قال والدها: “إن الله سبحانه وتعالى، لا تأخذه سنة ولا نوم، فكل قيوم على شيء في الدنيا، لا بد أن يأتي وقت وينام، وفي نومه تزول قيوميته عن الشيء. فمتى نام غفل، ومتى غفل حدثت أشياء لا يعلمها ولا يعرف عنها شيئا. والله سبحانه وتعالى لا ينام ولا تأخذه سنة، ولذلك فهو دائم القيومية.”
قالت رحاب: “تقصد يا والدي أن الإنسان له قيومية مؤقتة ومحدودة، إلا الله سبحانه وتعالى، فهو القيوم دائما.”
قال الوالد: “إننا يا ابنتي نعيش في عالم الأغيار، فكل شيء يتغير. فلا يوجد قيوم دائما، إلا الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى، حي لا يموت.”
قالت رحاب في سرور: “إن الله قائم على ملكه دائما أبدا. ولذلك فإنه سبحانه وتعالى، يسمع دعوة الضعيف الم مظلوم فينصره، ويرى الظالم يفسد في الأرض ويأخذ حقوق الناس فيهلكه. أليس كذلك يا والدي؟”
قال والدها: “نعم يا ابنتي، وبذلك نرى جميعا، قيومية الله على كونه، في كل أحداث الكون.”
قالت رحاب: “أفهم من ذلك، أن الله سبحانه وتعالى هو وحده القيوم، لأنه لا يغفل عن شيء، ولا يغيب عنه شيء، ولا يحدث شيء بدون علمه، وبدون أمره.. ولا تأخذه سنة ولا نوم.”
قال والدها في سرور: “هكذا أكون قد شرحت لك، اسما من أسماء الله الحسنى.”
قالت رحاب: “أشكرك يا والدي، إن هناك بعض الأولاد، لا يعرفون معنى هذه الأسماء.”
ثم أسرعت رحاب إلى قطتها الصغيرة، تطمئن عليها، وتقدم لها الشراب والطعام.





