استيقظ الشيخ الكبير من نومه وهو يتألم، فرأى زوجته تجلس إلى جوار فراشه، فقال لها: لقد اشتد علي المرض ولا بد أن يراني الطبيب.
قالت زوجته: لا حول ولا قوة إلا بالله! سأطلب من ابننا خالد ذلك عندما يعود.
قال: ألم تبلغيه بالأمس؟
قالت: أبلغته، ولكنه كان مشغولا.
سمعت زوجته صوت ابنها خالد يداعب أولاده، فقالت لزوجها: ها هو ابننا قد جاء، وسأذهب إليه لأبلغه.
فلما رآها خالد سألها: هل هناك شيء يا أمي؟
قالت أمه: لقد تحمل أبوك المرض طويلا، ولا بد أن يراه الطبيب.
إهمال خالد لوالده المريض وانشغاله عنه
قال خالد: أرجو أن تنتظرا قليلا حتى أتناول طعامي.
فلما تناول خالد طعامه، إذ حضر إليه ضيف ومعه ابنه، فرحب بهما وجلس معهما وقتا طويلا. فجاءته أمه تستعجله وتذكره بموعد الطبيب.
قال خالد لها: ألا ترين أني مشغول الآن؟ غدا إن شاء الله نذهب معا إلى الطبيب.
قالت أمه: ولكن يا بني..
فقاطعها خالد بقوله: قلت لكما فيما بعد.
غضبت أمه وقالت: تبا لك يا خالد، هذا جزاء تربيتنا لك؟
قال خالد: إن لي يا أمي حياتي الخاصة، وعملي يتطلب مني واجبات كثيرة.
فانسحبت أمه من أمامه وهي حزينة.
قال خالد موجها كلامه إلى الضيف: ما أكثر ما يطلبانه مني، خاصة في الأوقات غير المناسبة. أف لهما!
نصيحة الضيف وتذكيره لخالد بواجباته
قال ضيفه وهو يقوم من مكانه: لا أريد أن أعطلك عن إطاعة أمر والديك، اسمح لي بالانصراف.
عندئذ سمع خالد ابنه الصغير يبكي، فقال لضيفه: انتظر يا صديقي أرجوك، حتى أرى لماذا يبكي.
قال الضيف آسفا: كيف يرق قلبك لابنك، ولا يرق لوالديك؟ ألم تفكر قط في قول الله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن} وفي قوله: {ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما}.
قال خالد: إني أشفق عليهما وأعطيهما بلا حساب، ولكنهما لا يقنعان.
قال ضيفه: لا تقل هذا يا خالد. إن الله هو الرؤوف بعباده، يعطيهم بلا حساب ويغفر لهم، وما نحن إلا عبيده.
قال خالد منتبها من غفلته: ألا لعنة الله على الشيطان! سأذهب إليهما في الحال.
وأسرع إلى والديه وقال لهما: أرجو أن تصفحا وترضيا عني، وأسأل الله أن يوفقني لخدمتكما. سأذهب حالا لإحضار الطبيب.
قال والداه: الحمد لله.
توبة خالد وحوار الضيف مع ابنه عن بر الوالدين
وانصرف الضيف وابنه، وفي الطريق قال له ابنه: حدثني يا أبي عن واجب الأبناء نحو والديهم.
قال والده: فرض الله سبحانه وتعالى على المسلم بعد عبادته لله، أن يكون بارا بوالديه، لا سيما بأمه، حتى ولو كانا غير مسلمين، وأن يخاطبهما بأدب ولطف.
قال ابنه: ومن لا يفعل ذلك، أيغضب الله عليه؟
قال أبوه: نعم، وإن عليه أن يتجنب أي قول أو فعل قد يسيء إليهما، كأن يقول لهما كلمة «أف»، أو ينهرهما إذا تضايق أو تذمر منهما.
قال ابنه: ولكن كيف يدخل السرور عليهما يا أبي؟
قال والده في سرور: على الابن أن يفعل كل ما في وسعه لإدخال البهجة والسرور على قلبيهما. بأن يجتهد في دراسته، ويهتم بهما، وكذلك مخاطبتهما بالكلمة الطيبة.
وصايا الأب لابنه وحول معنى اسم الله الرؤوف
قال أبوه: وعليه كذلك ألا يسب أبا شخص أو أمه ولو على سبيل المزاح، حتى لا يرد عليه بأن يسب أباه وأمه.
قال ابنه: ليت كل الأبناء يعلمون ذلك يا أبي ويعملون به.
قال أبوه: إن حب الوالدين يا ولدي الحبيب، هو من حب الله سبحانه وتعالى، وطاعتهما من طاعته. قال عز وجل: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}، فعليك يا ولدي أن تحسن معاملة والديك، وألا تبالغ في طلباتك منهما، حتى لا ترهقهما بما لا يطيقان.
قال ابنه في سرور: هذا حديث جميل يا والدي، وسوف أحدث به أصدقائي وزملائي.
ثم رفع يديه وقال: رب علمني أن أحب أمي التي ترعاني، وأبي الذي يأتيني بكل شيء جميل، وأحب جيراني الذين يتعاونون معنا.
ثم قال كأنما تذكر شيئا: سمعتك يا أبي تذكر لصاحبك اسم الرؤوف، فما معناه؟
قال والده: الرؤوف معناه أن الله رؤوف بعباده، يمنع عنهم غضبه أو يؤخره، وقد سبقت رحمته غضبه. فإذا فعل الناس ما يستحقون به غضب الله، ثم تابوا، غفر لهم وعفا عنهم، ولا يؤاخذهم بذنوبهم. ولولا أنه رؤوف بهم، ما بقي على ظهر الأرض من دابة.
قال ابنه في سرور: حقا يا أبي إن الله تعالى رؤوف بعباده.





