ذهب كريم لزيارة صديقه شريف، فوجده في حديقة منزله، وقد شمر عن ساعديه، وراح يعمل في جد ونشاط. فسأله كريم: ما هذا النشاط يا صديقي؟
قال شريف: لقد حصلت على بعض الشجيرات، بعضها للزينة وبعضها للثمار، وستجعل الحديقة غاية في الجمال.
قال كريم: أخبرني بالله عليك، من أين حصلت عليها؟
قال شريف: من مشتل قريب، يقع في هذا الطريق.
قال كريم: إذن سأذهب للحصول على بعضها لحديقتنا.
فلما عاد كريم للبيت، عرض الأمر على والده، فرحب بالفكرة.
كريم يقتدي بصديقه ويلتقي بالشيخ الداعي
ذهب كريم مع والده إلى المشتل، فاختار أنواعا من الشجيرات الصغيرة، ووضعاها في حقيبة السيارة، وفي أثناء ذلك مر بجوارهم شيخ كبير، يتمتم ببعض الكلمات وينظر إلى السماء. فأشفق عليه الوالد وسأله: هل هناك شيء، أستطيع عمله لك يا والدي؟
قال الشيخ الكبير: أشكرك يا بني، إنني أدعو الرحمن سبحانه وتعالى، فليس لي سواه.
قال الشيخ الكبير ذلك وذهب لحاله.
قال كريم: ما حكاية هذا الشيخ المسكين يا والدي؟
قال والده: إنه يدعو الرحمن يا بني، ويقول جل جلاله: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى.
معنى اسم الرحمن ومنهج السعادة
قال كريم: ويقول سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
قال والده: لقد وردت في القرآن الكريم أكثر من آية، تحبب المؤمنين في الدعاء، وترغبهم فيه.. وتؤكد أن الله جل جلاله قريب من عباده.
قال كريم: أليس الرحمن اسما من أسماء الله الحسنى؟
قال والده: نعم يا بني، والرحمن هو الاسم الثاني من أسماء الله.. فالرحمن هو العطوف على العباد، وهو الذي أرسل الرسل بالمنهج، ليبين للإنسان طريق الحياة السعيدة، التي رسمها الله لعباده، وهذا المنهج هو رحمة من الله، لأنه يحمي الإنسان، من الجشع والطمع والفساد.
قال كريم: إن الله الرحمن سبحانه وتعالى يعطينا أسباب السعادة، ولكن الإنسان يجلب على نفسه الشقاء أحيانا.
قال والده: الرحمن وضع منهجا ليحمي الإنسان في حريته، والحق في أمنه، ويحرس له القيم التي ترتاح إليها نفسه.
رحمة الله تحمي البشرية وواجب النصح باللين
قال كريم: كل ما تقوله يا والدي، رحمة من الله للإنسان.
قال والده: لولا منهج الرحمن يا بني، لتحولت الأرض إلى غابة، تسفك فيها الدماء بغير حساب، ويستعبد فيها القوي الضعيف، ويعتدي فيها الناس على حرمات غيرهم.. ومن لا يتبع منهج الرحمن، يعش حياته في شقاء.
قال والده: إن الرحمن تتجلى رحمته، في كل شيء سخره للإنسان، فبعث إليه من يهديه، وأعطاه أسباب السعادة والإسعاد في الآخرة.
قال كريم: وإذا صادفني يا والدي صديق غافل عن الله، فماذا أفعل معه؟
قال والده في سرور: هذا سؤال هام.. ولأن الله رحمن، فعلى الإنسان أن يرحم عباد الله الغافلين، فيصرفهم عن طريق الغفلة إلى الله، بالوعظ والنصح، وباللطف دون العنف، وأن ينظر إلى العصاة بعين الرحمة، لا بعين الإيذاء.
غرس الأشجار صدقة جارية
قال كريم: معنى ذلك، أني لا بد أن أحاول بذل كل جهدي، في إزالة هذه المعصية، وبقدر وسعي، رحمة بذلك العاصي.
قال والده: هو كذلك يا بني، والله أرحم الراحمين.
قال كريم: ما أجمل أسماء الله، وأحلى معانيها. سوف أخبر زملائي وأصدقائي بها.
قال والده: بارك الله فيك يا بني، والآن هيا بنا نعود إلى البيت.
فانطلق بالسيارة.. وفي الطريق رأى كريم جدولا صغيرا فقال: انظر يا والدي إلى هذا الجدول الجميل.
فتوقف والده بسيارته، ونزل هو وكريم يشاهدان الجدول. أخذ الوالد عدة شجيرات، وراح يغرسها على ضفة الجدول، فتعجب كريم وسأل والده: وماذا ستجني من وراء ذلك يا والدي؟
قال والده: قد يجلس إنسان ذات يوم في ظلها أو يأكل من ثمارها.. وقد يأكل منها طير أو حيوان. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أو يَزْرَعُ زَرْعًا فيَأْكُلُ منه طيرٌ ولا إنسانٌ إلا كان له به صدقةً).
فلما عاد كريم إلى البيت، راح يغرس الشجيرات في سرور، ولم ينس أن يضع شجرة خارج البيت، فقد يستظل بها إنسان أو حيوان.. وبينما هو كذلك إذ رأى شريفا قادما، فاستقبله بترحاب وسرور، وراح يعيد عليه اسم الرحمن، أحد أسماء الله الحسنى.





