دخلت حنان حجرة والدها بعد أن طرقت الباب وأعطاها الإذن بالدخول. فوجدته يجلس إلى مكتبه يراجع بعض أوراقه، فقالت: “أراك يا والدي مشغولا، فسأعود إليك بعد قليل.”
قال لها مبتسما، وهو يترك أوراقه من يده: “تقدمي يا حنان، لقد فرغت مما يشغلني.”
قالت وهي تقدم إليه قصاصة من الورق: “أرجو يا والدي أن تشرح لي هذا الاسم.”
فنظر إلى الورقة وقال: “هذا اسم المقسط، وهو من أسماء الله الحسنى.. ولكن ما الحكاية يا ابنتي؟”
فابتسمت حنان وقالت: “كان درس اليوم في حصة التربية الدينية، عن أسماء الله الحسنى، وقد نقلت هذا الاسم من السبورة، لأني أردت أن أفهم معناه.”
معنى اسم الله المقسط
قال والدها: “اجلسي يا حنان. أنا أشجعك لحبك الفهم والعلم، والسعي للمعرفة.. واسم المقسط معناه العادل. وعدل الله سبحانه وتعالى فوق كل عدل، فمن معاني اسم المقسط، أن الله سبحانه وتعالى الذي خلق خلقه جميعا، يعدل بين خلقه جميعا. وهو الوكيل عن كل خلقه، حتى إذا ظلم إنسان إنسانا، دخل في خصومة مع الله سبحانه وتعالى فانتقم منه.”
“وإذا سرق إنسان مال إنسان آخر، دخل في خصومة مع الله، فعاقبه الله.. إن الله سبحانه وتعالى يعطي كل ذي حق حقه. ومن معاني اسم المقسط، أن الله يريد للحق أن ينتصر، وللباطل أن ينهزم، لأنه جل جلاله هو الحق. ولذلك ما من معركة بين الحق والباطل، إلا هزم فيها الباطل ولو بعد حين. ومن معاني المقسط كذلك، أنه جعل لكل شيء ميزانا، لا تميل فيه كفة عن كفة.. فكما جعل البائع يتقاضى الثمن كاملا، حرم عليه أن يأخذ من حق المشتري شيئا، بأن ينقص المكيال والميزان.”
شكوى الأرملة في مجلس الخليفة المأمون
“وطلب منا سبحانه وتعالى أن نعدل في كل شيء، فلا يحابي إنسان إنسانا، حتى ولو كان أقرب الناس إليه فالعدل أقرب للتقوى. حدث يوما أن كان الخليفة المأمون يجلس كعادة الخلفاء العادلين للنظر في مظالم الناس وإنصاف المظلومين.. وكان يوم الجمعة من كل أسبوع، هو اليوم الذي حدده المأمون للنظر في المظالم من الصباح إلى الظهر.”
“وقد عرف الناس ذلك فكان الذي يقع عليه ظلم ولا يستطيع أن يأخذ حقه، مثل المواطن الذي يظلمه موظف الحكومة، أو الفقير الذي يسلبه الغني ماله، أو الضعيف الذي يعتدي عليه من هو أقوى منه.. كل هؤلاء يمكن أن يأتوا إلى الخليفة، ويتظلموا عنده، ويتقدموا بشكاواهم.”
وفي يوم جلس المأمون للنظر في المظالم، من الصباح الباكر حتى إذا سمع أذان الظهر، نهض للصلاة، وتوجه نحو المسجد. فلقيته امرأة في ثياب قديمة رثة، وقالت أبياتا من الشعر، تمدح الخليفة، وحبه للعدل، وكراهيته للظلم، وتخبره أنها أرملة مات زوجها.
“وأنها ضعيفة بعد أن مات أبناؤها، وفقيرة لم تعد تملك إلا ضيعة، وقد استولى رجل قوي على هذه الضيعة، ولم تستطع مقاومته، فأصبحت بلا مورد ولا نصير.”
فأطرق المأمون قليلا، ثم رفع رأسه ورد على شعرها بمثله. وأخبرها أنه تأثر بكلامها، ولكنه ذاهب إلى صلاة الظهر، بعد يوم شاق حافل بالمتاعب، ووعدها أن ينظر في مظلمتها في الجلسة القادمة. وسألها أن تحضر معها خصمها، وسوف ينصفها بإذن الله، إن كانت صاحبة حق، وكان الحق في جانبها.
عدل الخليفة وإنصاف المظلومة
فانصرفت المرأة، ثم حضرت في اليوم الموعود. وحضر الخليفة المأمون، وجلس للنظر في مظالم الناس وحوله كبار رجال الدولة، وعلماؤها، وقاضي القضاة. فلما رأى الخليفة المأمون المرأة استدعاها.
وسألها: “من خصمك؟”
أجابت: “هو الواقف بجانبك، العباس، ابنك.. ابن أمير المؤمنين.”
فنظر الخليفة المأمون إلى ابنه العباس، ثم التفت إلى المرأة. وبعد لحظات من الصمت، التفت الخليفة إلى قاضي القضاة، وكلفه بالنظر في هذه القضية، لأن أحد طرفيها ابنه العباس، ولا يصح أن ينظر هو فيها.
فنادى القاضي على المرأة، ونادى على العباس ابن أمير المؤمنين، وأجلسهما أمامه. وذلك في حضرة أمير المؤمنين.. وأخذ صوتها يعلو وتصيح في وجه العباس وهو ساكت لا يتكلم.
فتوجه أحد الحجاب إلى المرأة وزجرها، ونبهها إلى أنها في حضرة الخليفة المأمون.. فناداه المأمون، ونهاه عن ذلك، وقال له: “دعها فإن الحق أنطقها، والباطل أخرسه.”
“ثم أمر بضيعتها فردت إليها.. فعادت وهي تثني على عدل المأمون وإنصافه. وما قام به الخليفة المأمون يا ابنتي هو تنفيذ لأمر الله سبحانه وتعالى، فإن خالفه الخليفة المأمون أو حابى ابنه، كان من الظالمين.”
“وهكذا أكون قد شرحت لك يا ابنتي اسم المقسط قدر استطاعتي، وأعطيتك مثلا حسنا لحاكم يخاف الله ويعدل بين الناس.”
نهضت حنان من مقعدها، وألقت بنفسها على صدر أبيها في سرور، فضمها إليه وقال: “لا مانع عندي أن تسألي عن أسماء الله كما تشائين، وسوف أجيبك بإذن الله.”





