تحادث الصديقان: أبو حامد وأبو جعفر، وكان أبو حامد طيبا، وأبو جعفر خبيثا، وكان الاثنان من أصدقاء الحاكم المقربين.
فقال أبو جعفر: “أتذكر يا صديقي عندما كنا وهذا الذي أصبح حاكما علينا صغارا، من كان يصدق أن يصبح حاكما علينا؟”
قال أبو حامد: “إنها مشيئة الله لا اعتراض عليها، والحاكم كما أعلم رجل صالح.”
قال أبو جعفر: “أنت يا صديقي رجل طيب، ولكني أرى غير رأيك فهو لا يصلح أن يكون حاكما، وقد دعوت الله كثيرا أن يعطيني المال والقوة لأنزع منه الحكم، وأكون حاكما مكانه.”
قال أبو حامد: “هون على نفسك يا صديقي، فأنا أشفق عليك من هذا التفكير، والله سبحانه وتعالى يعطي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، فهو وحده المعطي والمانع.”
حوار حول المنع الإلهي وحكمته
غضب أبو جعفر وقال: “المانع عني أنا؟ ولماذا؟”
قال أبو حامد: “قد يكون المنع هو عين العطاء يا صديقي، فعندما يمنع الله ما يتمنى العبد، قد يكون هذا رحمة بعبده، فالإنسان لا يستطيع أن يميز بين ما ينفعه وما يضره، فقد يدعو بالشر وهو يحسب أنه يدعو بالخير.”
قال أبو جعفر: “أكاد أصدق حديثك يا صديقي، وأقتنع بما أنا فيه من نعمة، ويكفي أن صديقنا الحاكم يستعين بي في أمور كثيرة.”
قال أبو حامد: “حسنا يا صديقي! وإن منع العطاء وعدم إجابة الدعاء تكون في حالات كثيرة هي عين العطاء، فأنت عندما تطلب المال مثلا لا تدري أتنفقه في الحلال أم في الحرام، فتصبح من أصحاب النار.”
مكيدة خبيثة لتفريق الأصدقاء
قال أبو جعفر: “كفى يا أبا حامد.”
قال أبو حامد: “استمع لما أقول يا أبا جعفر، حتى يرتاح قلبك. فالله سبحانه وتعالى كثيرا ما يمنع الشر عن عباده، ويصرف عنهم الأذى الذي يلحقه الإنسان بأخيه الإنسان.”
قال أبو جعفر: “ألا تنوي زيارة صديقنا الحاكم يا أبا حامد، فهو يسأل عنك.”
قال أبو حامد: “سأزوره غدا إن شاء الله.”
وفي اليوم التالي رأى أبو جعفر صديقه أبا حامد يجلس مع الحاكم ويضحكان معا، فشعر نحوه بالغيرة والحسد، وقال: “لابد أن أعمل على التفريق بينهما.”
دعا الخبيث أبو جعفر صديقه الطيب أبا حامد إلى الغداء عنده في بيته، وقدم له الطعام وقد أكثر فيه من الثوم، وكان الطعام لذيذا، فأكل أبو حامد منه كثيرا.
وقبل أن ينصرف أبو حامد، قال له أبو جعفر: “أعلم أنك اليوم على موعد مع صديقنا الحاكم. فلا تقترب منه كثيرا فيشم رائحة الثوم فيتأذى منها، فهو يكرهها وأنا أدرى منك بما يحبه وما يكرهه.”
وقبل أن يذهب أبو حامد إلى موعده مع صديقهما الحاكم، سبقه إليه أبو جعفر وقال له: “إن أبا حامد يقول للناس إن رائحتك خبيثة، وإنه يتأذى منها كثيرا. فضلا عن أنه يثيرهم عليك.”
فعندما ذهب أبو حامد إلى صديقه الحاكم، كان يتحاشى أن يقترب منه، حتى لا يشم رائحة الثوم.
فقال الحاكم في نفسه: “صدق أبو جعفر، فأبو حامد يضع يده على أنفه حتى لا يشم رائحتي، ويبدو أن ما قاله أبو جعفر صحيح.”
واغتاظ الحاكم كثيرا، فكتب إلى بعض أتباعه رسالة قال فيها: “إذا وصلت إليك رسالتي هذه، فاضرب عنق من يحملها إليك.”
وأعطى الرسالة إلى أبي حامد، وأمره أن يوصلها إلى تابعه سريعا، فإن بها أمرا هاما.
انقلاب المكيدة على صاحبها
عند خروج أبي حامد من عند الحاكم، قابله أبو جعفر وسأله: “ما هذا الذي معك؟”
قال أبو حامد: “هي رسالة أمرني صديقنا الحاكم أن أوصلها إلى تابعه في بلدة قريبة.”
قال أبو جعفر في نفسه: “لابد أن أبا حامد سيحصل على مال كثير لأداء هذه المهمة. فلا بد أن أذهب أنا بدلا منه.”
عرض أبو جعفر على صديقه أبي حامد، ألف دينار ليأخذ الرسالة ليوصلها، ويريحَه من عناء السفر.
فأخذ أبو حامد الألف دينار وشكر أبا جعفر على مروءته، وقال: “نعم الصديق أنت يا أبا جعفر، فأنت تعلم أن ليست لدي وسيلة أنتقل بها فتحملت عني المشقة، وأعطيتني مالا، فشكرا لك يا صديقي.”
أخذ أبو جعفر الرسالة، وسافر بها إلى حيث نال الجزاء الذي يستحقه.
ولاحظ الحاكم غياب أبي جعفر، فسأل عنه أتباعه فقيل له: “إنه لم يظهر منذ أيام، ولا يوجد الآن إلا أبو حامد.”
فسألهم في دهشة: “أبو حامد؟ وأين وجدتموه؟”
قالوا: “نراه في السوق كل يوم يبيع ويشتري.”
قال: “علي به.”
فلما جاء سأله الحاكم عن الرسالة، فأخبره بما جرى، فسأله عن سبب وضع يده على أنفه وهو يحادثه. فأخبره بنصيحة أبي جعفر له. ففهم الحاكم الأمر على حقيقته.
وقال أبو حامد في نفسه: “سبحان الله الذي يصرف الأذى الذي يلحقه الإنسان بأخيه الإنسان.”





