خرج شريف ووالده إلى المسجد لصلاة الفجر كالعادة، وفي طريقهما مرا على بيت العم حامد لإيقاظه، ليذهب معهما إلى المسجد. فلما اقتربا من بابه سمعا صوت أنينه، فطرق الباب طرقا خفيفا واستأذنا في الدخول.
فلما دخلا، وجداه مريضا يعاني من ألم شديد، فقالت لهما زوجته: أرجو أن تبلغا الدكتور عادل بالمسجد، حتى يأتي لرؤيته وعلاجه.
فقال شريف في أسى: لقد انقطع الدكتور عادل عن المسجد منذ فترة، فهو يصلي في بيته، بعد أن شغلته أعماله عن صلاة الجماعة.
فقال والده: إذن هيا نذهب إلى بيته نوقظه من نومه، كي ينال ثوابين: ثواب علاجه للعم حامد، وثواب صلاة الجماعة.
فلما اتجها إلى بيت الدكتور عادل، ارتفع أذان الفجر، وكانت المفاجأة أن الذي يؤذن هو الدكتور عادل.
زيارة فجرية تكشف عن مرض الجار وعودة الطبيب
قال شريف: هذا صوت الدكتور عادل، فقد ذهب إلى المسجد مبكرا لكي يؤذن للصلاة.
قال والده: الحمد لله فقد عاد الدكتور عادل إلى ما كان عليه.. هيا بنا إلى المسجد.
فلما انتهيا من الصلاة أخبرا الدكتور عادل بمرض العم حامد، فتوجهوا إلى البيت، وقام الدكتور بفحص العم حامد. وبعد أن انتهى الدكتور من الكشف، بدأ يكتب قائمة العلاج، فقال العم حامد في رجاء: لا تكتب علاجا كثيرا يا دكتور، فأنا لا أحب الأدوية.
فقال والد شريف: اكتب يا دكتور كل ما يحتاجه من العلاج، حتى يكتب له الله الشفاء، فالله رحيم بعباده.
سر الدواء الكثير ومعنى اسم الله الرحيم
قدم الدكتور قائمة العلاج إلى زوجة العم حامد داعيا له بالشفاء، ثم استأذن الجميع وخرجوا. أخذ والد شريف قائمة العلاج، وذهب في هذا الوقت المبكر يبحث عن صيدلية لشراء الدواء ومعه شريف.
قال شريف: لقد طلب العم حامد من الدكتور أن يكتب له قليلا من الدواء، ولكنك يا والدي طلبت أن يكتب كل الدواء وهو لا يحبه.
قال والده: يا شريف إن العم حامد رجل فقير، لا يملك ثمن كل هذا الدواء، ولذا طلب أن يكون الدواء قليلا.
قال شريف: ياله من رجل مسكين، ولكنك يا والدي قلت إن الله رحيم بعباده، فماذا تقصد بقولك؟
قال الوالد: يا بني لا بد أن تعلم أولا، أن الرحيم اسم من أسماء الله الحسنى.
قال شريف: نعم يا والدي، فنحن نقول عند قراءة آية من آيات الله، نسبقها باسم الله الرحمن الرحيم.
قال والده: نعم.. ومعنى الرحيم أن الله لا يرى مبتلى أو مضرورا، أو معذبا أو مريضا، إلا ويبادر إلى رفع هذا البلاء عنه.
تجليات رحمة الله في نصرة الضعيف ونعم الحياة
قال شريف: آه، وهذا ما دعاك إلى أن تقول: إن الله رحيم بعباده يا والدي.
قال والده: نعم يا بني، والله قادر على كفاية كل بلية ودفع كل فقر، ونهاية كل مرض، وإزالة كل ضرر. ونرى الله في رحمته وهو يفتح الأبواب لمن ليس له نصير في الدنيا، وينصر المظلوم الضعيف على الظالم القوي، وينتقم من كل إنسان افترى وبغى في الأرض، ويرينا الطريق حين لا نرى أمامنا شيئا إلا الظلام.
قال شريف: لقد سمعت يوما أحدهم يقول لآخر: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء… ماذا يقصد بذلك يا والدي؟
قال والده: يقصد به أن يرحم الإنسان أخاه الإنسان، فيرحمه الله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين. ومن رحمة الله بعباده أنه جعل علاقته بعباده علاقة مباشرة.
قال شريف: نعم يا والدي هذا صحيح. فنحن حين نحتاج شيئا ندعو الله، وحين نصلي نصلي لله، وحين نطلب نطلب من الله، وهذا من رحمته.
قال والده: الله برحمته قد أعطى الإنسان أصنافا متعددة من الطعام، وكل منها له مذاق مختلف حتى يأكل ما يشاء فلا يجد ما يحفظ حياته فقط.. ولكن يجد ما يحفظ حياته ويعطيه الرفاهية ليختار ويتمتع ويتذوق هذا وذاك ويملأ حياته بنعم الله.
واجب العبد الرحيم وتطبيق الدرس عمليا
قال شريف: ما أجمل صفات الله.
قال والده: انظر يا شريف.. أخيرا عثرنا على صيدلية، تعمل في مثل هذا الوقت.
وبعد قليل خرج الوالد من الصيدلية، وقد حمل الدواء قائلا: هيا يا شريف لنعود إلى العم حامد.
قال شريف: يالها من أدوية كثيرة.. حسنا يا والدي ما فعلت.
قال والده: نحن يا بني عباد الله، وحظ العبد من اسم الرحيم.. ألا يدع إنسانا محتاجا إلا ويسد حاجته بقدر طاقته، ولا يرى فقيرا بجواره إلا ويقوم بمساعدته ودفع فقره بماله أو السعي في حقه بالشفاعة إلى غيره، فإن عجز عن ذلك فيعينه بالدعاء.
اقترب الوالد بالدواء من بيت العم حامد يتبعه شريف، وطرق الوالد الباب. فلما فتحت زوجة العم حامد، قدم لها الدواء قائلا: بالشفاء بإذن الله.
ثم عاد الوالد وشريف إلى بيتهما، وكان شريف مسرورا لأنه عرف معنى الرحيم.





