مر رجل بجماعة يجلسون ويستمعون إلى كبيرهم، وحين رأى كبيرهم الرجل توقف عن الحديث وقال في دهشة: “لا حول ولا قوة إلا بالله!”
كان الرجل يرتدي ملابس رثة، ويحمل في يده زاده، ويدل مظهره على فقره الشديد.
ظهور رجل فقير يثير الدهشة
اقترب الرجل من شجرة، فجلس تحتها وأخرج قطعة من الخبز وراح يأكلها. فقام كبير الجماعة من مكانه، وذهب إلى الرجل وسأله في لطف: “ألست ضرغام بن مالك…”
قاطعه الرجل قبل أن يكمل وقال: “أنا عبد القوي.”
قال كبير الجماعة: “تفضل عندنا نحسن ضيافتك.”
قال الرجل وهو ينهض ويحمل زاده: “جزاك الله خيرا يا أخي.”
قال ذلك وذهب لحاله.. فأسرع كبير الجماعة خلفه وقدم له بعض المال فأخذه شاكرا، وسار في طريقه مبتعدا.
عندما عاد كبير الجماعة إلى أصحابه، سألوه عن أمر هذا الرجل، فقال لهم: “إن له قصة فيها موعظة للناس.”
فطلبوا منه أن يحكيها لهم. فقال لهم:
بطش التاجر الغني وغروره بقوته
“كان هناك تاجر ذو سلطان ومال، راح يبطش بالضعفاء حتى أصبح الناس يخافونه، ويعمل التجار حسابه، وكان دائما يتباهى بقوة نفوذه.”
“ولو كان هذا التاجر الغني يخشى الله يا أصحابي، ما فعل ما فعله، فالقوة لله وحده، هو القوي سبحانه وتعالى، ولا أحد قوي إلا بقدرة الله، ولا أحد يستطيع أن يقضي شيئا أو يفعل شيئا إلا بقوة الله.. فالله منحنا القوة، وأعطانا السيطرة عليها في الحياة الدنيا فقط.”
“والله سبحانه وتعالى يا أصحابي، هو وحده القادر على أن يبدل الضعف إلى قوة، وأن يبدل القوة إلى ضعف، وليس هذا في قدرة أحد إلا الله، وهذا هو ما جرى لصاحبنا، فقد بدل الله قوته إلى ضعف.”
عواصف تدمر ثروة التاجر
قال أحدهم: “وكيف جرى ذلك يا شيخنا؟”
قال كبيرهم: “خرجت قافلة بتجارته يوما، وكانت أكبر قافلة تراها عيني، وقد مرت بنا هنا في طريقها إلى بلاد الشام.”
“وبينما القافلة في الطريق، هبت ريح عاصفة أطاحت بكل شيء، فرقت الجمال بما تحمله من بضائع وأموال. فلما هدأت العاصفة لم يعثر للقافلة على أثر، وعثر على رجال القافلة في حالة يرثى لها.”
“تأثر التاجر الغني بما أصابه، ولكنه لم يرجع عن غروره، وتظاهر بقوته رغم ما أصابه. وخرجت له قافلة أخرى في تجارة، وقد طلب من قائدها أن يبتعد عن الطريق المألوفة، التي هاجمت الريح فيها قافلته.”
“سارت القافلة في طريق غير معتادة، وغير معلومة عواقبها. وفجأة هبت مرة ثانية ريح عاصفة أطاحت بكل شيء، وفرقت الجمال بما تحمله من بضائع وأموال. وعلم التاجر بما جرى فأصابه الحزن والمرض.”
“خسر التاجر كل ثروته حتى أصبح فقيرا معدما، فسمى نفسه عبد القوي، اعترافا بقوة الله سبحانه وتعالى، وأصبح هائما على وجهه، يجوب البلاد والقرى لا يحمل إلا زاده، ويطلب المغفرة من الله.”
عبرة عن القوة الحقيقية لله
“هذه هي قصة صاحبنا يا أصدقائي. فمهما كان الإنسان قويا بصحته أو بماله أو نفوذه، لا يقدر أن يفلت من قوة الله.. فإن أراد الله بأحد سوءا.. لا يقدر بقوته أن يدفع هذا السوء عن نفسه، ذلك أنه لا يوجد مخلوق لله، يقدر على أن يفلت من قوة الله.”
قالت الجماعة: “سبحان الله، لا إله إلا هو.”
وقال أحدهم: “كان لي جار يا شيخنا يستعمل ذراعه في أذى الناس، فأصاب الله ذراعه بالمرض.”
قال كبيرهم: “لو كانت هذه القوة ذاتية، ما استطاع أحد أن يسلبها، ولكنها قوة من الله سبحانه وتعالى يعطيها لك إذا أراد أو يسلبها منك. وهكذا فإن القوة في هذا الكون كله هي لله جميعا.”
قال أحدهم: “ما أجمل حديثنا اليوم، والله لو تحدثنا كل يوم في مثل هذا ما وجدنا حديثا أفضل منه.”
وقال آخر: “لنجعل حديثنا غدا إن شاء الله عن اسم من أسماء الله الحسنى.”
قال كبيرهم: “وهو كذلك، فلا أحب إلي من الحديث عن الله سبحانه وتعالى.”





