كان لرجل بخيل سيئ الطباع، زوجة طيبة قنوعة، ترضى بما قسم الله لها، وتحافظ على زوجها وبيتها، فترعى بيتها، وتشرف على رعاية الأغنام والدواجن، التي جاء بها زوجها في حديقة الدار.
وفي يوم جاءت أم الزوجة لزيارتها، والاطمئنان عليها وسألتها فقالت: “يا ابنتي.. أرى أن صحتك ليست على ما يرام، ووجهك أصبح شاحبا جدا، وبدأ جسدك يهزل… هل أنت مريضة؟”
قالت الزوجة باكية: “لا يا أمي.. لست مريضة، ولكني جائعة، ولم أذق الطعام منذ الأمس، فزوجي بخيل جدا، ويحرم علي أن آكل أي شيء بدون إذن منه، وهكذا منذ أن تزوجني.”
قالت الأم في دهشة: “لقد أكرمه الله بالمال والزوجة الصالحة، فكيف يفعل ذلك؟”
قالت الزوجة: “منذ أيام اشتهيت أن آكل بيضة، فرفض، وأخذ البيض ليبيعه في السوق. وبالأمس طلبت أن يعطيني قطعة من الجبن، فقال: إنه يحتاج إلى المال، وسيبيع الجبن لأحد التجار، وهكذا يا أمي يحرص دائما على ألا يجعل في البيت طعاما.”
شكوى الزوجة الصابرة من بخل زوجها
بعد قليل جاء الزوج، فرأى أم زوجته فرحب بها، وأخرج من جيبه تمرة وقدمها لها، فقالت له: “أعطها لزوجتك الجائعة.”
فقال: “هي دائما جائعة، وتقضي على كل ما في البيت من طعام.”
قالت الزوجة: “إنك لا تترك أي طعام في البيت، وإلا ما أصبح حالي هكذا.”
قال الزوج في غضب: “لقد أكرمتك، وأسكنتك في دار كبيرة، بها من الأغنام والدجاج ما لا يعد ولا يحصى.”
فقاطعته أم زوجته قائلة: “إن الله سبحانه وتعالى، هو الذي أكرمك بالمال، وبهذه الزوجة الصالحة، وقد سمعت من الناس، عن بخلك الشديد ما أبكاني، فاستغفر ربك الكريم الذي أكرمك.”
درس في معنى الكرم الإلهي
قال الرجل في غرور: “أنا أيضا كريم مع الناس ومع ابنتك.”
فقالت الأم: “يالك من مغرور أيضا. ألا تعلم أن الكريم اسم من أسماء الله الحسنى، وصفة من صفاته جل شأنه.. والكريم هو الجواد الكثير الخير، فنحن العرب نسمي الشيء النافع الذي يدوم نفعه ويكثر خيره كريما. ولذلك قيل للناقة الغزيرة اللبن كريمة.. والكريم يا زوج ابنتي هو أحكم الحاكمين، الغني عن العالمين.. الأكرم الذي يعطي ما شاء بغير سؤال، وإذا سئل أعطى.”
جلس الرجل ينصت محملقا في أم زوجته، فقالت: “ومن كرم الله تعالى على عباده، أنه يبدأ عباده بالنعمة قبل استحقاقهم لها، ويجود بالإحسان، ويغفر الذنب ويعفو عن المسيء.. ومن كرمه سبحانه.. أن العبد إذا تاب عن السيئة، محاها عنه وكتب له مكانها حسنة، ومن عمل حسنة، أثابه عليها بعشر حسنات.”
نطق الرجل في ضيق وقال: “كفى، أجئت تعطيني درسا؟”
فقالت وهي تنهض من مجلسها: “(إن الله عز وجل اسمه الكريم، يحب مكارم الأخلاق، ويبغض سفسافها) هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما قال: (السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد عن النار. والبخيل بعيد عن الله، وبعيد عن الناس، وبعيد عن الجنة، وقريب من النار).”
قالت ذلك وخرجت.
لغز البيضة المفقودة ومأساة الفأر
وحرصت الأم بعد ذلك، على أن تذهب بالطعام لابنتها كل يوم لتأكل. وفي يوم ما دخل الزوج على زوجته غاضبا، وقال: “لقد ذهبت أتفقد الدجاج ككل ليلة، فوجدت بيضة ناقصة.”
قالت الزوجة: “يجب أن تحمد الله.. باقي الدجاج أعطاك بيضه كالعادة، ولم تستطع واحدة فقط أن تبيض، ما أهمية ذلك؟ ربما باضت غدا.”
لكن الزوج وجد في اليوم التالي، بيضة ناقصة أيضا، وواحدة ناقصة في الليلة الثالثة.. والخامسة. فغضب جدا، واتهم زوجته بأنها هي التي تسرق البيض.
ورغم أن زوجته، أقسمت بأن يدها لم تمتد لأي بيض، إلا أنه ضربها بقسوة، فأخذت تبكي طوال الليل.. وفي اليوم التالي اختبأت الزوجة عند بيت الدجاج، لتعرف من الذي يسرق البيضة كل ليلة.
ولدهشتها فوجدت بأن فأرة كبيرة، هي التي تفعل ذلك. وعندما عرف البخيل بذلك، اغتاظ ووضع مصيدة في طريق الفأرة، التي ما أن رأت المصيدة، حتى ارتدت إلى جحرها حزينة مهمومة. فلما زارها زوجها ووجدها على هذه الحال، وعرف السبب، قال لها بحنان: “لا تحزني يا زوجتي العزيزة.. سأحضر لك أنا البيضة.”
خافت الفأرة وحذرته من مغبة غروره وتهوره، لكنه خرج مسرعا دون أن يصغي لنصائحها، وكما توقعت الفأرة، أطبقت المصيدة على زوجها ومات.. حزنت الفأرة على زوجها، وأصرت على الانتقام من هذا البخيل، الذي يضرب زوجته كل ليلة، ويحرمها من الأكل، وتسبب في موت زوجها.
خطة انتقام الفأرة ونهاية البخيل
وضعت الفأرة دينارا بجوار البيضة، ودينارا آخر في منتصف الطريق إلى جحرها، ودينارا ثالثا عند مدخل جحر عقرب، وطلبت منها أن تعضه.
فلما جاء البخيل ليتفقد البيض، وجد الدينار.. وبدلا من أن يكتفي به وينصرف، قال لنفسه: “فلأبحث قليلا ربما أجد دينارا آخر.”
فلما وجده فرح، وقرر أن يبحث مرة أخرى، فلمح الدينار الثالث. فمد يده ليأخذه، فانقضت عليه العقرب ولدغته.





