خرج الأولاد من المدرسة، فرحين بانتهاء يوم دراسي.. يجري كل منهم في طريقه عائدا إلى بيته. وفي الطريق سمع طارق ضحكات بعض الأولاد، فالتفت ليرى جمعا من الأولاد، يحيطون بشيخ كبير.
فلما اقترب منهم طارق، رأى شيخا كبيرا، ضريرا يجلس على الرصيف، يمد يده وهو يردد قوله: “هو الله.. هو الله.”
بينما راح بعض الأولاد، يضعون في يده ما تحمله أيديهم من الأرض في سخرية.
اندفع طارق نحوهم ليمنعهم، وقال لهم: “يا لكم من أولاد أشقياء! كيف تفعلون هذا بشيخ ضرير؟”
فلما انصرف عنه الأولاد، أخرج طارق ما تبقى من مصروفه، وقدمه للشيخ وهو يعتذر له.
موقف طارق النبيل مع الشيخ الضرير
وعندما عاد طارق إلى البيت، رأى والده يجلس يراجع أوراقه، فألقى عليه تحية الإسلام، وأخبره بما حدث في الطريق.
قال والده: “وأين يجلس هذا الشيخ؟”
قال طارق: “إنه يجلس على مقربة من بيتنا يا والدي.”
قال الوالد: “خذ بعض الطعام والشراب وقدمه له.”
اقترب طارق من الرجل، وهو يحمل الطعام والشراب وكان ما يزال يردد.. “هو الله.. هو الله.”
فلما قدمه له طارق، قال الرجل: “إني أعرفك، أنت الذي دفعت عني هؤلاء الأولاد.. بارك الله فيك وفي والديك.”
قال له طارق: “ولكن كيف عرفتني؟”
قال الرجل بعد أن شرب جرعة من الماء، يروي بها ظمأه: “بقلبي يا بني…”
ثم أخذ يردد.. “هو الله، هو الله.”
فلما عاد طارق إلى البيت، سأل والده عن سبب قول الرجل.. “هو الله”.
سر اسم الله الأعظم
قال الوالد: “(الله) هو اسم للموجود الحق، الجامع لصفات الألوهية.. والله اسم من أسماء الله الحسنى.. هذا الاسم أعظم الأسماء التسعة والتسعين، لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الألوهية، المنفردة بالوجود الحقيقي.”
قال طارق: “وماذا عن باقي أسماء الله الحسنى؟”
قال الوالد: “سائر الأسماء الباقية، لا تدل إلا على أحد المعاني من قوة، أو علم، أو قدرة، أو فعل، وغيره. وهذه الأسماء قد يوصف بها غير الله، مثل القوي، أو القادر أو الملك.”
قال طارق في دهشة: “كيف هذا يا والدي؟ من فضلك وضح لي ذلك.”
قال الوالد في سرور: “يا بني تستطيع أن تشير إلى رجل فتقول.. هذا الرجل قوي.. هذا الرجل ملك البلاد.. هذا الرجل قادر على فعل هذا أو ذاك. لكنك لا تستطيع أن تقول.. هذا الرجل الله، فالله واحد لا شريك له.”
الإيمان الذي يملأ القلب
قال طارق: “حقا يا والدي.”
قال الوالد: “لذا فاسم الله من أعظم الأسماء، ولأجل هذا الخصوص، توصف سائر الأسماء جميعها بأنها أسماء الله. ولا يقال إن الله من أسماء القادر، أو الغني أو الوكيل مثلا. فالعبد منا لا يرى ولا يخاف ولا يخشى ولا يرجو، غير الله سبحانه وتعالى.”
قال طارق: “إنني أفهم يا والدي، أن الله ربي هو الموجود الحق، وكل ما سواه هالك وباطل.”
قال الوالد: “وهذا ما يدعو به الرجل الضرير المؤمن، فهو يقول: هو الله، يقصد هو كل شيء، وكل اسم من أسماء الله الحسنى. إنه يا بني ضرير، ولكن قلبه مليء بالإيمان وحب الله.”
قال طارق: “مسكين هذا الرجل، لقد حرمه الله نعمة البصر.”
قال الوالد: “على الإنسان يا بني أن يرضى بنزع النعمة، ويصبر ويعرف أن هناك حكمة الله سبحانه وتعالى، كأن يصيبك مرض أو عجز، أو تفقد أحد أولادك فهذا شأن الله وحده، لا اعتراض عليه.”
قال طارق: “حقا يا والدي لا اعتراض على شأن الله وينبغي أن يكون الإنسان مستغرق القلب والهمة بالله تعالى ولا يرى غيره.. لقد استمتعت حقا بالحديث عن أعظم الأسماء.”
قال الوالد: “وكم يسعدني يا بني، أن نتحدث دائما عن الله.”
فجأة سمع طارق صوت أذان العصر، ينطلق من المسجد المجاور.
فقال: “لقد أذن لصلاة العصر يا والدي… أستأذنك لأتوضأ، حتى نخرج إلى المسجد معا.”
قال الوالد في سرور: “وأنا سأنتظرك.”
في الطريق إلى المسجد، رأى طارق كلمة الله جل جلاله في حجم كبير تعلو قبة المسجد.
فقال: “ما أعظم وأجمل هذا الاسم.”
هو الله لا إله إلا هو الحي القيوم.





