قالت لي جدتي العجوز يوما: “هل تعرف حكاية (كبي الدبس واحمليني)؟ فهي تبين جزاء الصبر والتقوى وجزاء الحسد والبخل.”
فقلت لها: “إنني لا أعرفها، احكيها لي.”
قالت: كان يا ما كان يا سامعين يا كرام، بعد الصلاة على النبي خير الأنام، وعلى صحابته الكرام، كان رجل وزوجته يعيشان في بيت صغير قديم متهدم؛ لأنهما فقراء ليس عندهم إلا قوت يومهم. يذهب الرجل منذ الصباح فيعمل طوال النهار ويعود في المساء وقد حصل درهما أو درهمين يشترون بها خبزا ودبسا أو خبزا وزيتا، يأكلونه ويحمدون ربهم وينامون حامدين شاكرين.
وكان لهم جيران أغنياء، رجل تاجر وزوجته، يطبخون كل يوم أنواع الطعام، فتنتشر رائحة الطعام وتدخل إلى بيت الجيران الفقراء، فيشتهون أن يذوقوا هذا الطعام الطيب أو يأكلوا منه، ولكنهم لا يستطيعون لأنهم فقراء لا يملكون ثمن هذا الطعام. وجيرانهم الأغنياء لا يسألون عنهم، ولا يعطونهم شيئا من الطعام ولا من غيره، مع أنهم أغنياء، والله تعالى أوصى بالجار.
اختبار الإيمان وكرم المرأة الفقيرة
وفي أحد الأيام كان مع زوجة الفقير درهم، فأخذت صحنا وذهبت إلى السوق لتشتري بالدرهم طعاما لها ولزوجها، فاشترت بالدرهم قليلا من الدبس وعادت إلى البيت. وفي الطريق مرت على باب أحد المساجد، فوجدت شيخا هرما ضعيفا نحيلا، وهو في الحقيقة ملك أرسله الله إليهم ليجزيهم جزاء صبرهم وتقواهم. فاستوقفها الشيخ الضعيف وقال لها: “ماذا معك يا بنتي؟”
قالت: “معي دبس طعامي وطعام زوجي.”
فقال لها: “كبي الدبس واحمليني.”
فقالت له: “كيف أكب الدبس وهو طعامي وطعام زوجي وليس عندنا غيره لنأكله؟!”
ولكن الشيخ صار يتوسل إليها لتكب الدبس وتحمله. وأخيرا رق قلبها له، وسلمت أمرها إلى الله تعالى، وكبت الدبس وحملت الشيخ، وكان ضعيفا، نحيلا، خفيف الوزن.
وبعد أن حملته قالت له: “إلى أين أذهب بك؟”
قال لها: “خذيني إلى بيتكم.”
فقالت: “لماذا آخذك إلى بيتنا ونحن ليس عندنا شيء نأكله؟! أليس لك بيت آخذك إليه؟”
قال: “ليس لي بيت وأتوسل إليك أن تأخذيني إلى بيتكم.”
جزاء الصبر وتحول الشيخ إلى ذهب
فسلمت أمرها إلى الله تعالى وأخذته إلى بيتهم، وهناك وجدت زوجها ينتظر ليأكل الدبس معها، فقصت عليه القصة، وكيف أن الشيخ طلب منها أن تكب الدبس وتحمله فكبته وحملته.
فقال لها زوجها: “لا بأس يا امرأة، حسنا فعلت، فيبدو أنه شيخ ضعيف فقير.”
وقام إلى الشيخ فحمله وأجلسه وطيب خاطره، وكان عندهم رغيف من الخبز، تقاسموه هم والشيخ وأكلوه وحمدوا ربهم تعالى. وبعد ذلك قال لهم الشيخ: “نوموني على الفراش.”
وكان عندهم فراش واحد بال، فنوموه عليه.
فقال لهم: “والآن كبسوا جسمي وأعضائي ثم غطوني لكي أنام.”
فكبسوه وغطوه وتركوه لينام وناموا هم خارج الغرفة على البساط.
وعندما استيقظوا في الصباح ذهبوا ليتفقدوا الشيخ، وكشفوا عنه الغطاء فلم يجدوا الشيخ وإنما وجدوا مكانه دنانير ذهبية قد ملأت الفراش، فتعجبوا من ذلك.
حيلة الكيل وكشف سر الدنانير
وأخيرا قرروا أن يرفعوا الدنانير ويخبئوها، فقال الزوج: “يجب أن نعدها أولا، ولكن عدها يأخذ وقتا طويلا، فالأفضل أن نكيلها بالكيل.”
فقالت الزوجة: “ليس عندنا كيل لنكيلها.”
فقال الزوج: “استعيري من جيراننا كيلا، ألا يعيروننا كيلا فارغا أيضا؟!”
فذهبت الزوجة وطرقت باب جيرانهم الأغنياء، ففتحت زوجة الغني لها الباب وقالت لها: “ماذا تريدين؟”
قالت: “أريد أن أستعير كيلا فارغا؛ ألا تعيروننا؟”
قالت: “نعم.” وذهبت لتأتيها بالكيل، ولكنها تعجبت فهي تعلم أن جيرانهم فقراء وليس عندهم شيء يكيلونه؛ فلماذا الكيل؟ ولكي تعرف ما سيكيلون به وضعت في أسفل الكيل قطعة من العلك، وأعطتها الكيل.
فأخذته زوجة الفقير، وعادت إلى بيتها، حيث وجدت زوجها في انتظارها، فكالوا الدنانير به وخبؤوها ثم أعادت زوجة الفقير الكيل إلى زوجة الغني، ولم تنتبه إلى أن دينارا قد علق بالعلكة الموجودة في أسفله.
أخذت زوجة الغني الكيل من زوجة الفقير، ونظرت في أسفله فوجدت دينارا عالقا بالعلكة، فتعجبت، وعرفت أنهم كالوا به مالا، ولكن من أين لهم المال وهم فقراء ليس عندهم شيء؟! لذلك سألت زوجة الفقير: “ماذا كلتم بالكيل؟”
فتلعثمت، وقالت لها: “لم نكل به شيئا.”
ولكن زوجة الغني أرتها الدينار العالق في أسفل الكيل وقالت لها: “لقد كلتم به دنانير، فمن أين الدنانير؟ إما أن تخبريني أو أنني أخبر الملك بأنكم سرقتم الدنانير من أحد التجار!”
فاضطرت زوجة الفقير أن تخبرها بالحقيقة، وكيف أن شيخا على باب المسجد طلب منها أن تكب الدبس وتحمله، فحملته إلى بيتها ونومته في فراشهم بعد أن كبسته هي وزوجها، وفي الصباح وجدوه قد تحول إلى دنانير.
مؤامرة لتقليد المعجزة
وعندما عاد التاجر الغني إلى بيته في المساء، حكت له زوجته حكاية جيرانهم والدنانير التي وصلت إليهم، فحسدوا جيرانهم الفقراء، كيف يحصلون على هذه الدنانير وهم لا يحصلون على مثلها؟! مع أن عندهم دنانير كثيرة لأنهم أغنياء وبخلاء! لذلك قالت زوجة الغني لزوجها: “يجب أن نذهب أنا وأنت غدا إلى المساجد لعلنا نجد شيخا هرما نحمله إلى بيتنا وننومه عندنا، لكي يتحول إلى دنانير مثلما حصل مع جيراننا.”
وفي الصباح لم يذهب التاجر الغني إلى دكانه، بل خرج هو وزوجته، وأخذوا معهم صحنا وذهبوا إلى السوق فاشتروا دبسا، ووضعوه في الصحن، ثم أخذوا يدورون على المساجد يفتشون عن شيخ هرم ضعيف، إلى أن وجدوا على باب أحد المساجد شيخا هرما ضعيفا قد صلى الظهر جماعة في المسجد، ثم خرج وجلس يستريح قليلا على باب المسجد قبل الذهاب إلى بيته.
فاقتربت منه زوجة الغني وبيدها صحن الدبس وسلمت عليه، فرد عليها السلام.
فقالت له: “عمو، قل لي كبي الدبس واحمليني!”
فاندهش الشيخ وقال لها: “ولماذا أقول لك ذلك؟ ولماذا تكبين الدبس؟! ولماذا تحملينني؟! فأنا أستطيع السير ولله الحمد، وسأذهب إلى بيتي فزوجتي وأولادي ينتظرونني، وهل أنت مجنونة حتى تتكلمي هذا الكلام؟!”
قالت: “لا، أنا لست مجنونة، وهذا زوجي معي وأنا أتوسل إليك مرة أخرى أن تقول لي: كبي الدبس واحمليني، فماذا تخسر في ذلك؟!”
عند ذلك قال الشيخ: “صحيح؛ ماذا أخسر في ذلك؟! فأمري إلى الله تعالى.” وظن أن الأمر كله مزاح فقال: “كبي الدبس واحمليني.”
وعند ذلك كبت زوجة الغني الدبس حالا واتجهت هي وزوجها إلى الشيخ الضعيف وحملوه، وساروا به نحو بيتهم.
جريمة الطمع ونهاية مروعة
وعندما رأى الشيخ ذلك صار يصيح ويستغيث ويقول: “يا جماعة، إلى أين تأخذونني؟! فبيتي ليس من هنا وعائلتي تنتظرني.”
وتجمع الناس حولهم، وسألوهم: “لماذا تحملون هذا الشيخ غصبا عنه؟”
فقال التاجر وزوجته لهم: “هذا أبونا وقد أصابه الخرف ولا يريد العودة إلى البيت لذلك فنحن نحمله لإعادته.”
فسكت الناس وتفرقوا. وبقي الشيخ يصيح ويضرب بيديه ورجليه ولا من مجيب. حتى وصلوا إلى البيت، فأدخلوا الشيخ وأجلسوه وهو يبكي وينتحب. فطيبوا خاطره وقالوا له: “لا تحزن فسوف نأخذك إلى بيتك إن شاء الله تعالى. والآن قل لنا: نوموني على الفراش وغطوني وكبسوني.”
فقال لهم: “إنني لا أريد النوم هنا، وإنما أريد العودة إلى بيتي والنوم فيه.”
فقالوا له: “أنت ماذا ستخسر؟! قل لنا: نوموني وغطوني وكبسوني.”
فقال: “سلمت أمري إلى الله تعالى، نوموني وغطوني وكبسوني.”
وعند ذلك أسرع التاجر وزوجته فنوموه على الفراش وغطوه، ولكن بدلا من أن يكبسوه بأيديهم جلبوا المخابط التي يخبطون بها الصوف عند غسله وتنظيفه، وصاروا يخبطونه بها، وهو يصيح ويستغيث ويقول: “يا جماعة قتلتموني، أكاد أموت، لماذا تفعلون هذا معي؟! ماذا صنعت لكم لكي تقتلوني هكذا؟!” ثم أخذ صوته يخفت شيئا فشيئا إلى أن سكت تماما.
وعند ذلك تركوه وذهبوا ليناموا قريري العين، وهم يمنون النفس بالدنانير الكثيرة في الصباح.
وفي اليوم الثاني استيقظوا باكرا، وأخذوا الكيل والأكياس ليملؤوها بالدنانير، وذهبوا إلى غرفة الشيخ وكشفوا عنه الغطاء، ولكن بدلا من الدنانير فوجئوا بوجود الحيات والعقارب التي هجمت عليهم، وأخذت تعضهم وتلدغهم حتى ماتوا.
عبرة القصة والفرق بين القناعة والحسد
وهذا جزاء الحسد والطمع والبخل. ما الفرق بين العائلتين؟ العائلة الأولى: الفقيرة؛ صالحة تقية قانعة بما قسم الله تعالى لها ولا تحسد أحدا؛ لذلك أراد الله أن يرزقها ويكافئها، وكان يستطيع أن يرزقها المال بلا تعب ولا واسطة، ولكن يريد أن يبين لهم أن المال لا يأتي إلا بعد السعي والعمل، لذلك جعلهم يحملون الشيخ وينومونه ويكبسونه فرزقهم الله تعالى المال. وكانوا قانعين برزقهم، والشيخ هو الذي طلب منهم أن يحملوه وينوموه ويكبسوه.
بينما العائلة الثانية الغنية كانت حسودة وبخيلة وطماعة، فعلى الرغم من مالهم الكثير حسدوا جيرانهم، وحملوا الشيخ غصبا عنه، ونوموه غصبا عنه، وضربوه بالمخابط غصبا عنه حتى توفى، فكان جزاؤهم الموت أيضا.
وقالت جدتي العجوز رحمها الله تعالى: “إياك يا بني أن تحسد أحدا، أو أن تكون طماعا أو بخيلا، واقنع بما قسم الله تعالى لك.”
العبرة من القصة
الحسد والبخل يأكلان الحسنات كما تأكل النار الحطب.