كان من المعروف في بني إسرائيل في الزمن القديم: أن من يعبد الله أربعين سنة عبادة صادقة مخلصة، لا يرتكب صغيرة ولا كبيرة من الذنوب، يستجيب الله تعالى له ثلاث دعوات.
وكان كرسف من بني إسرائيل رجلا متعبدا زاهدا صالحا، يخشى الله ولا يسيء إلى أحد، يعيش مع زوجته وأولاده بالقناعة والكفاف، وقد عبد الله الأربعين سنة متصلة. وأن له أن يدعو الله تعالى ثلاث دعوات صالحات. ولكنه احتار بماذا يدعو الله تعالى، فهو لا يريد شيئا من حطام الدنيا. وأخيرا رأى أن يستشير زوجته في أمر الدعوات الثلاث.
فقال لها: “إني عبدت الله تعالى أربعين سنة متصلة، وأستطيع الآن أن أدعو الله تعالى ثلاث دعوات لا أظن أنه يخيبها لي ولكنني محتار بماذا أدعوه!”
فقالت له زوجته: “ألا أدلك على دعوة إذا استجيبت فإنها ستسعدك وتسعدني؟”
قال لها: “وما هي؟”
قالت: “ادع الله تعالى أن يجعلني أجمل امرأة، فأنا امرأتك، وسأصبح سعيدة عندما أصبح أجمل امرأة، وأنت زوجي ستنظر إلي بحب وإعجاب، وستتمتع بجمالي، وستصبح سعيدا كلما نظرت إلي.”
فدعا كرسف ربه أن يجعل زوجته أجمل امرأة. فاستجاب الله دعوته، وأصبحت زوجته أجمل امرأة. ونظرت زوجته في المرآة فرأت جمالا لا مثيل له، ولم يخطر لها على بال فأعجبت بنفسها وشكرت زوجها على دعوته.
دعوة الجمال التي أشعلت الغرور
ولكنها بعد أيام أصبحت تضيق بزوجها، وبعبادته وبزهده، فهو دائم العبادة لا يهتم بها ولا بتسليتها، وهو يكتفي بالقليل من الطعام، والخشن من اللباس، وهي ترى أن جمالها أصبح جديرا بالملوك الأغنياء لا بالزهاد الفقراء، وتريد أن تتمتع بأطيب الطعام وألين اللباس، وتريد أن تتزين بالجواهر واللآلئ. وزوجها لا يستطيع أن يقدم لها ذلك.
لذلك صارت تهمل بيتها وزوجها وأولادها وصارت تتزين وتتبهرج وتخرج إلى الشوارع والأسواق، فيفتتن بجمالها الرجال والشباب، ويتبعونها من مكان إلى مكان.
وعندما رأى كرسف ذلك نصحها أن تكف عن أعمالها هذه التي تسيء إليها وإليه وإلى سمعته كعابد زاهد، وهي حرام لا يجوز عملها، وذكرها بقولها إن جمالها سيكون له وحده. فلم تسمع نصيحته، لذلك دعا الله دعوته الثانية وهي أن يمسخ زوجته ويحولها إلى دابة جزاء فعلها هذا. فاستجاب الله تعالى دعوته، وتحولت زوجته إلى قردة، لا تستطيع الكلام.
عودة إلى البداية بعد ضياع النعم
صارت تدور في البيت، وتحوم حول زوجها وأولادها وهي حزينة تبكي وتنهمر دموعها باستمرار، كأنها تستغيث بزوجها وبأولادها، ولكنها لا تستطيع الكلام.
واضطر كرسف أن يرعى أولاده ويهتم بشؤونهم وبطعامهم ولباسهم، فشغله ذلك عن عبادته وانقطاعه إلى ربه. وصار الأولاد يتألمون لألم أمهم، وتحولها إلى قردة لا تستطيع الكلام، وهم يرونها أمامهم تبكي باستمرار، لذلك طلبوا من أبيهم أن يدعو الله ليعيدها كما كانت أول مرة.
فرفع كرسف رأسه إلى السماء ودعا الله دعوته الثالثة، وهي أن يعيد زوجته إلى ما كانت عليه في خلقتها الأولى. فاستجاب الله تعالى دعوته، وعادت زوجته كما كانت أول مرة، قبل أن يدعو دعوته الأولى. وحمدوا جميعهم الله على خلاصهم من هذه المحنة التي أصابتهم.
وهكذا ضاعت ثلاث دعوات صالحات بسبب غرور المرأة وحبها لنفسها، وتعلقها بالدنيا وزخارفها.