أصيب الملك بمرض خطير، فبعث في طلب كبار الأطباء في بلده لمعالجته، ولكنهم عجزوا عن شفائه، فقال لهم: “كيف أكون ملكا على كل هذه البلاد، ولا تستطيعون شفائي؟ كيف أحتاج إليكم وأنا الملك عليكم؟”
خاف الأطباء من بطش الملك، فذهبوا إلى كبير الحكماء، وكان فقيها في الدين مؤمنا بالله الواحد، وأخبروه، فذهب إلى الملك فلما رآه الملك عنده، قال له: “إنني لا أشعر بالسعادة.”
حوار بين الملك المريض وكبير الحكماء
قال كبير الحكماء: “هذا طبيعي يا مولاي، فنحن عباد الله نشعر بالسعادة أحيانا وبالشقاء أحيانا أخرى، ونشعر بالقوة مرة وبالضعف مرة أخرى، وهذا هو حال كل البشر.”
غضب الملك وقال: “ولكنني ملك البلاد، عشت طوال عمري قويا يخافني عبادي.”
قاطعه كبير الحكماء: “تقصد عباد الله يا مولاي!”
قال الملك مستغربا: “أراك تريد أن تقول شيئا، فهات ما عندك.”
قال كبير الحكماء: “لاحظ الجميع أنك كلما تحدثت عن شيء قلت: أنا الملك، فكيف يصيبني ما يصيب عامة الناس؟”
ضحك الملك وقال: “حقا هذا ما أقوله.”
قال كبير الحكماء: “ألا تعلم يا مولاي أن الملك اسم من أسماء الله الحسنى؟”
قال الملك: “لم يخبرني أحد بذلك.”
قال كبير الحكماء: “الملك هو الذي يستغني بذاته وصفاته عن كل موجود سواه، وكل موجود سواه مملوك له.”
معنى الملك المطلق وشروط استحقاقه
قال الملك: “هذا هو الملك المطلق.”
قال كبير الحكماء: “وأنا لا أتصور أبدا أن يكون العبد منا ملكا مطلقا. فأنت يا مولاي لا تستطيع أن تستغني عن كل موجود سواك. فالعبد منا فقير إلى الله سبحانه وتعالى، فلو أنك استغنيت عن كل موجود، لم تستغن مطلقا عن الله.”
قال الملك وهو يتألم من مرضه: “حديثك هذا يوضح لي أشياء كنت أجهلها تماما.”
قال كبير الحكماء: “هناك يا مولاي أشياء إن ملكتها ولم تملكك، وإن أطاعتك ولم تطعها، كنت حقيقيا أن تكون ملكا مطلقا.”
قال الملك: “سأستمع لما تقول، على أن تخبرني بعد بعلاج مرضي، فما هي هذه الأشياء؟”
قال كبير الحكماء: “هذه الأشياء هي ميل قلبك، وشهوتك، وغضبك ولسانك، وعيناك ويداك, وسائر أعضائك، ثم جنودك ورعاياك بالحق.”
قال الملك: “أعلم تمام العلم أن جنودي ورعاياي إنما يطيعونني خوفا ورعبا من بطشي، حيث لا أتحكم في غضبي.”
وصفة علاج غريبة والبحث عن الرجل السعيد
قال كبير الحكماء: “ها هو الوقت قد جاء يا مولاي، لتكون جديرا بالصفة التي تقربك من الله تبارك وتعالى. فهذا الملك الذي أنت فيه إنما هو عطية إليك من الملك المطلق الذي لا شريك له في ملكه، وأنت الآن وفي كل وقت في أشد الحاجة إلى الله الملك المطلق ليعينك على مرضك ويهدئ من نفسك.”
ابتسم الملك وقال: “أعدك يا صاحبي أن أكون جديرا بهذه الصفة، ولكن أخبرني أولا بعلاج مرضي حتى يبتعد الشقاء عني.”
قال كبير الحكماء: “لقد أوقعتني الآن في حيرة يا مولاي، ولكن لا بأس! فسأخبرك بعلاج مرضك وهو بسيط جدا، أن تلبس حذاء رجل لم يذق طعم الحزن في حياته.”
ضحك الملك وقال: “أنت الذي أوقعتني في حيرة شديدة.”
وراح الملك ورجال قصره وجنوده وأتباعه يبحثون في كل مكان عن هذا الرجل السعيد، الذي لم يذق طعم الشقاء في حياته، ولكن أين يجدونه؟
فالناس جميعا يسعدون أحيانا ويشقون أحيانا أخرى. إلى أن عثر رجال القصر ذات يوم على ذلك الرجل الذي لم يذق طعم الشقاء في حياته، وكان صيادا فقيرا معدما.
قال لهم: “إني لم أذق طعم الشقاء في حياتي.”
فأخذوه في الحال إلى القصر.
سر السعادة وشفاء الملك
وفي القصر سأله الملك وكبير الحكماء عن سر سعادته، فقال لهما: “إنني قانع دائما، وراض بما يرزقني الله تبارك وتعالى ملك السماوات والأرض، ومؤمن بأن الخير كله من عند الله، وأن الشر كله من عند الناس.”
ما إن سمع رجال القصر ذلك، حتى انقضوا على الرجل الفقير الذي لم يذق طعم الشقاء في حياته، ليخلعوا حذاءه من رجليه ليرتديه الملك، ولكنهم فوجئوا بأنه لا يلبس في رجليه أي حذاء.
فدهش الملك، وإذا بكبير الحكماء يضحك.
ابتسم الملك وقال: “سبحان الله! لقد علمتني درسا لن أنساه.”
قال كبير الحكماء: “اقطع طمعك عن الدنيا تكن ملكا في الدنيا والآخرة، واطلب حاجتك من الله فهو وحده الملك الحق سبحانه.”
فذهب الملك إلى فراشه، وراح يبكي ويطلب من الله سبحانه وتعالى أن يشفيه، فهو وحده القادر على أن يشفيه من مرضه.





