قالت لي جدتي العجوز: “هل تعرف قصة الثلاثة التي حكاها النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه لكي يعرفوا أن النعم تدوم بالشكر والكرم، وتزول بالبخل والكذب؟”
فقلت لها: “إنني لا أعرفها؛ فما هي حكايتها؟”
قالت: قال النبي محمد لأصحابه يوما ما معناه: كان يعيش في إحدى البلدان ثلاثة رجال، الأول منهم مصاب بالبرص، وهو مرض يصيب الجلد، ويجعل صاحبه قبيح المنظر لا يقترب منه أحد. والثاني: أقرع قد سقط الشعر من رأسه، وحل محله قشور وقروح رائحتها كريهة. والثالث أعمى.
وكانوا جميعهم يدعون ربهم أن يشفيهم من أمراضهم، فأراد الله أن يختبر صدقهم؛ لذلك استجاب دعاءهم، فأرسل لهم ملكا في صورة رجل. أتى إلى الرجل الأول الأبرص، وقال له: “ماذا تتمنى أن تكون؟”
قال: “أتمنى أن أشفى من برصي هذا لكي لا يهرب مني الناس، وأن يكون لي إبل كثيرة لأنني أحبها كثيرا.”
فمسح بيده على جلد الأبرص، ودعا له، فشفي من برصه وأصبح له جلد جميل، وأعطاه ناقة حاملا.
رحمة الله وشفاء المبتلين
ثم ذهب إلى الثاني الأقرع، وقال له: “ماذا تتمنى أن تكون؟”
قال: “أتمنى أن أشفى من هذا القرع وهذه القروح في رأسي، وأن يصبح لي شعر جميل ورائحة طيبة، لكي لا يكرهني الناس، وأن يكون لي بقر كثير لأنني أحبها كثيرا.”
فمسح بيده على رأسه، ودعا له، فشفي من قرعه، ونبت له شعر جميل، وأعطاه بقرة حاملا.
ثم ذهب إلى الثالث الأعمى وقال له: “ماذا تتمنى أن تكون؟”
قال: “أتمنى أن يعود إلي بصري؛ لكي أرى الدنيا من حولي، وأن يكون لي غنم كثيرة لأنني أحبها كثيرا.”
فمسح بيده على عينيه، ودعا له، فعاد إليه بصره، وصار يرى ما حوله، وأعطاه نعجة حاملا.
وبعد بضع سنوات صار عند الأول (الأبرص) إبل كثيرة من الناقة التي أخذها، وصار عند الثاني (الأقرع) بقر كثير من البقرة التي أخذها، وصار عند الثالث (الأعمى) غنم كثيرة من النعجة التي أخذها. عند ذلك أرسل الله إليهم الملك مرة ثانية في صورة رجل؛ لكي يختبر صدقهم وشكرهم للنعمة التي أصبحوا فيها.
اختبار النعمة وجحود الرجلين
فذهب الملك إلى الرجل الأول الذي كان أبرص وشفاه الله تعالى، ذهب الملك إليه وهو في صورة رجل أبرص قبيح المنظر، فطرق عليه الباب ودخل وقال له: “إنني رجل أبرص مريض كما ترى. وأنا فقير وضعيف فأعطني جملا من عندك أقطع به الطريق.”
فقال له: “ابتعد عني ولا تقترب مني؛ فإنك مريض ومنظرك كريه، وأنا عندي نفقات كثيرة؛ لذلك لا أستطيع أن أعطي شيئا دون ثمنه.”
فقال له الملك الذي هو في صورة رجل أبرص: “كأنني أعرفك، ألست أنت الذي كنت أبرص فشفاك الله؟ وكنت فقيرا فأغناك الله؟”
قال: “لا، لم أكن أبرص ولا فقيرا، وهذا المال ورثته عن آبائي وأجدادي.”
فدعا الملك الله وقال: “اللهم إن كان كاذبا فأرجعه كما كان.”
فعاد كما كان أبرص قبيحا، فقيرا، فصار يبكي ويضرب وجهه بيديه وندم. ولكن حين لا ينفع الندم.
ثم ذهب الملك إلى الرجل الثاني الذي كان أقرع كريه الرائحة وشفاه الله تعالى. ذهب إليه في صورة رجل أقرع فقير، فطرق عليه الباب ودخل، وقال له: “إنني رجل أقرع فقير، وقد انقطعت في الطريق، فأعطني بقرة من عندك أستعين بها في سفري.”
فقال له: “ابتعد عني ولا تقترب مني؛ فإنك أقرع كريه الرائحة، وأنا عندي نفقات كثيرة؛ لذلك لا أستطيع أن أعطي شيئا دون ثمنه.”
فقال له الملك الذي هو في صورة رجل أقرع: “كأنني أعرفك، ألست أنت الذي كنت أقرع فشفاك الله؟ وكنت فقيرا فأغناك الله؟”
قال: “لا، لم أكن أقرع ولا فقيرا، وهذا المال ورثته عن آبائي وأجدادي.”
فدعا الملك الله قال: “اللهم إن كان كاذبا فأرجعه كما كان.”
فعاد كما كان أقرع كريها، فقيرا. فصار يبكي ويضرب وجهه بيديه، وندم. ولكن حين لا ينفع الندم.
نجاح الشاكر وموعظة الجدة
ثم ذهب الملك إلى الرجل الثالث الذي كان أعمى وشفاه الله تعالى؛ ذهب إليه في صورة رجل أعمى فقير، فطرق عليه الباب ودخل، وقال له: “إنني رجل أعمى فقير منقطع في الطريق كما ترى، فأعطني نعجة من عندك أستعين بها على فقري وانقطاعي.”
فقال له: “يرحمك الله يا أخي، والله لقد كنت أعمى مثلك فشفاني الله، وكنت فقيرا فأغناني الله، فخذ ما تشاء من هذا المال فهو مال الله.”
فقال له الملك وقد فتح عينيه: “احفظ عليك مالك؛ فما أنا أعمى ولا فقير ولكن الله سبحانه أرسلني لأختبر صدقك وشكرك للنعم، فرضي عنك وغضب على صاحبيك.”
وقالت جدتي: “أرأيت يا بني كيف تدوم النعم بالصدق والشكر والكرم وتزول بالبخل والكذب؟ فكن دائما صادقا كريما؛ تعش غنيا محبوبا ومحترما.”
العبرة من القصة
تدوم النعم بالشكر ومساعدة الفقراء والمحتاجين.