كان يا ما كان كان رجل فقير وعنده عائلة كبيرة وأولاد كثيرون، يحتاجون إلى مال كثير كل يوم، وهو يكد ويكدح ويعمل من الصباح إلى المساء، ولا يكاد يكفي احتياجاتهم، حتى يئس من حياته، وقرر أن يمشي في الصحراء إلى أن يموت.
غادر منزله في الصباح دون أن يخبر أهله وذهب يمشي ويمشي حتى تعب، ووجد في طريقه شجرة فجلس تحتها ليستريح قليلا، وغلبه التعب فنام، ورأى في منامه كأن طائرين كبيرين أتيا ووقفا على الشجرة، وصارا يتكلمان كما يتكلم الإنسان.
قال أحدهما للآخر: “انظر إلى هذا النائم تحتنا، إنه يظن نفسه فقيرا وهو من أغنى الأغنياء؛ لأنه سليم الجسم.”
فقال الآخر: “صدقت، فأنا مثلا أشتري كل عين من عينيه بعشرة آلاف دينار، وهي تساوي أكثر من ذلك، وأشتري كل أذن من أذنيه بعشرة آلاف دينار، وهي تساوي أكثر من ذلك، وأشتري أنفه بعشرة آلاف دينار، وهو يساوي أكثر من ذلك.”
فقال الأول: “صدقت، وأنا أشتري كل يد من يديه بسبعة آلاف دينار، وهي تساوي أكثر من ذلك، وأشتري كل رجل من رجليه بسبعة آلاف دينار، وهي تساوي أكثر من ذلك، وأشتري إحدى كليتيه بعشرة آلاف دينار، ونصف كبده بعشرة آلاف دينار، وإحدى رئتيه بعشرة آلاف دينار، وهي تساوي أكثر من ذلك بكثير.”
فقال الآخر: “إذن فهذا الرجل غني؛ لأنه يملك أعضاء صحيحة سليمة، فكيف يظن هذا المسكين نفسه فقيرا؟!”
ثروة مخفية في جسد سليم
ثم طار الطائران من الشجرة، وانتبه الرجل من نومه فزعا، فتلمس أعضاءه فوجدها لم ينقص منها شيء. فقال: “الحمد لله، فأنا غني إذن بصحتي وسلامة أعضائي، فلماذا اليأس إذن؟!”
ونهض وعاد إلى بيته، وباشر عمله من جديد بعد أن عادت ثقته بنفسه، وصار يعمل بجد ونشاط ويكسب كثيرا من المال حتى صار من كبار الأغنياء.
وجاء في الأثر أن رجلا في الزمن القديم، ظل يعبد الله في إحدى الصوامع خمسمئة عام. ثم مات وأحضرته الملائكة للحساب.
فقال الله: “أدخلوه الجنة برحمتي فقد عبدني خمسمئة عام.”
فقال الرجل: “بل أدخل الجنة بعملي، فقد عبدتك خمسمئة عام.”
فقال له: “حاسبوه إذن.”
فوضعوا عبادة الخمسمئة عام في إحدى كفتي الميزان ووضعوا نعمة البصر في الكفة الأخرى، فرجحت نعمة البصر. لأنه لولا نعمة البصر لما استطاع العبادة خمسمئة عام وهو يعيش وحده، ولما استطاع التمتع بحياته.
عبادة خمسمئة عام في ميزان النعم
فقال الله: “هذه نعمة البصر وحدها رجحت عبادتك خمسمئة عام، فهل عندك ما يكافئ النعم الأخرى الباقية، كنعمة السمع والذوق والشم والسعي والتلذذ بالطعام والشراب والنوم وغيرها؟!”
فقال الرجل: “لم يبق عندي شيء يا رب!”
فقال: “خذوه إلى النار إذن.”
فسحبته الملائكة إلى النار، فصار الرجل يصيح ويستغيث ويقول: “يا رب تجاوز عني برحمتك، واعف عني برحمتك، وأدخلني الجنة برحمتك لا بعملي.”
عند ذلك قال الله: “يا ملائكتي، أدخلوه الجنة برحمتي.”
إذن نحن – يا بني – أغنياء بنعم الله تعالى علينا، فعلينا أن نحافظ على هذه النعم وأن نشكره ونحمده دائما، فإننا لا نحصي ثناء عليه، كما أثنى هو على نفسه.
العبرة من القصة
الصحة تاج على رؤوس الأصحاء عليهم ألا يفرطوا فيها، وألا يفسدوها بالمهلكات كالتبغ والخمر والمخدرات وغيرها.