حكى لنا معلمنا في المدرسة الابتدائية، رحمه الله تعالى، هذه الحكاية، قال: كان في مدينة بغداد تاجر، يجد ويعمل بقوة ونشاط، يستيقظ كل يوم عند الفجر فيصلي ثم يذهب إلى دكانه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها». فيعمل فيها بجد ونشاط، وبأمانة وصدق، حتى المساء، حتى أصبح من أكبر التجار ومن أغنى الأغنياء.
ولم يرزقه الله إلا بولد واحد، ولم يكن في ذلك الوقت مدارس وجامعات كما هو اليوم، إنما كان الرجل يتعلم القراءة والكتابة في الكتاب، وبعد ذلك إذا كان عنده ميل للعلم فإنه يلازم أحد الشيوخ أو العلماء ليتعلم منه، وإذا لم يكن عنده ميل للعلم فإنه يتعلم مهنة أو صناعة يعيش منها.
وأراد التاجر أن ينشئ ابنه على الجد والنشاط والعمل، بعد أن تعلم القراءة والكتابة في الكتاب، فكان يوقظه كل يوم باكرا ليأخذه معه إلى دكانه ويعلمه مهنة التجارة والبيع والشراء والتعامل مع الناس. ولكن زوجته كانت دائما تعترض على ذلك، وتقول له: “إنه ابننا الوحيد وليس لنا غيره، ارحمه، ودعه ينام ويرتاح، فهو لا يزال صغيرا على العمل والتجارة، ومتى كبر سيتعلم إن شاء الله تعالى.”
تدليل الأم يفسد الابن الوحيد
وهكذا كان الولد يذهب يوما مع والده إلى الدكان، وينقطع عدة أيام عن الذهاب، ويبقى في البيت بحماية أمه، فتعلم على الدلال والكسل حتى شب على ذلك.
وكان الوالد يتألم ويحزن. ولكن ماذا يصنع؟ هل يخرب بيته بيده؟! وصبر حتى أصبح الولد شابا في السابعة عشرة من عمره. عند ذلك قال له أمام زوجته: “يا بني إنك أصبحت شابا قويا ولله الحمد، وأنا أردت أن أعلمك مهنة التجارة؛ مهنة والدك وجدك؛ فلم تتعلم، وأنا لست دائما لك، لذلك أريدك أن تعمل أي عمل تريده، وأن تعطيني كل يوم في المساء درهما من عملك الذي عملته في النهار. وفي اليوم الذي لا تعطيني فيه درهما من عملك ليس لك فيه مبيت عندي في البيت.”
أراد الوالد بذلك أن ينقذ ابنه من كسله وخموله، ويعلمه على العمل والاعتماد على نفسه قبل فوات الأوان. وكانت أم الولد تسمع وهي ساكتة.
خطة الأب وحيلة الأم
وبعد أن ذهب الوالد التفتت الأم إلى ابنها وقالت له: “لا تحزن يا حبيبي، ولا يهمك، فأنا كل يوم أعطيك درهما لتعطيه لأبيك في المساء، لا تهتم أبدا.”
وهكذا صارت الأم تعطي ابنها كل يوم درهما، والابن يعطيه لأبيه في المساء، وعندما يأخذه الوالد كان يفتح النافذة، ويرمي بالدرهم من النافذة إلى النهر الذي يجري بجانب بيتهم، فلا يقول الولد شيئا.
ومر على ذلك عدة شهور، حتى نفدت الدراهم من الأم، فقالت لابنها: “يا بني أنا لم يعد معي دراهم لأعطيك، لذلك عليك غدا أن تعمل وتشتغل لتجمع الدرهم لأبيك، وتعطيه له في المساء. وإلا فإنه لن يدعك تنام في البيت.”
فحزن الولد كثيرا، ولكن ماذا يصنع؟ وإلى أين يذهب إذا أخرجه أبوه من البيت؟! لذلك استيقظ في اليوم التالي باكرا، وذهب إلى السوق ليشتغل، ولكن ماذا يشتغل؟ إنه لا يعرف أية مهنة، لذلك صار يعمل حمالا يحمل الأشياء للناس، وسقاء يسقي الماء، حتى استطاع أن يجمع درهما، ولكن بعد أن أنهكه العمل وأضناه التعب وصار العرق يتصبب منه غزيرا.
قيمة الدرهم المكتسب بالعرق
وعاد في المساء يجر رجليه جرا من شدة التعب، فهو لم يعتد على العمل طوال حياته. وعندما أتى والده في المساء أعطاه الدرهم، ففتح النافذة ليرمي بالدرهم منها. ولكن الولد هجم حالا عليه وأمسك بيده، وقال له: “إلى أين ترمي به وقد أضناني التعب والعرق والعمل طوال النهار حتى استطعت الحصول عليه؟! ألا تراني؟!”
فضحك الوالد وأغلق النافذة، وربت على كتف ابنه وقبله، وقال له: “الآن أصبحت رجلا يعتمد عليك. أنا كنت أعرف أن والدتك كانت تعطيك درهما كل يوم، لذلك كنت لا تعترض على رميه من النافذة لأنك لم تكن تتعب في تحصيله. الآن هل تحب أن تذهب معي كل يوم إلى الدكان وتعمل معي وأنا أعفيك من الدرهم كل يوم؟ أم تريد أن تعمل في السوق وتعطيني الدرهم كل يوم؟”
فقال الولد: “بل أذهب معك وأعمل معك وأتعلم مهنة آبائي وأجدادي.”
وهكذا صار الولد يذهب مع أبيه كل يوم حتى تعلم التجارة، وأصبح من التجار الناجحين الأغنياء.
العبرة من القصة
اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، فالكسل لا يربي رجالا ولا يبني بلادا.