كان يوجد رجل يعيش مع أمه، وكلما قالت له أمه: “أريد أن أزوجك يا بني وأفرح بك.” يقول لها: “لا أريد أن أجلب لك واحدة تعذبك!”
وأخيرا عجزت أمه عن العمل في البيت وبقي وحده، وتعب كثيرا فلا يوجد من يطبخ له ويغسل له وينظف له البيت، فعزم على الزواج. وأراد أن يختبر النساء هل فيهن واحدة تحب حماتها وتخدمها؟ فكان يدور على العائلات ويقول لهم: “أنا أريد أن أتزوج، ولكن عندي أمي عاجزة تجلس على الكرسي طول النهار، لا تتكلم ولا تطلب شيئا، وكل ما أطلبه من زوجتي المقبلة أن تقدم لها كل يوم صحن طعام وكأس ماء فقط، وأنا أتولى باقي شؤونها كلها، فهل عندكم فتاة تقبل بذلك؟”
فكان أكثرهم يرفضون ذلك.
وأخيرا وجد عائلة فيها فتاة قالت له: “أنا أخدم أمك بعيوني، وأطعمها وأسقيها وأتكفل بكل شؤونها.”
فقال لها: “لا أريد إلا أن تقدمي لها صحن طعام وكأس ماء، وهي تجلس في غرفة وحدها وتغطي جسمها كله بالغطاء لكي لا تكلم أحدا ولا يكلمها أحد.”
فرضيت الفتاة بذلك، فخطبها.
اختبار لاختيار الزوجة الصالحة
وذهب الرجل إلى أمه وقال لها: “سأتزوج يا أمي، ولكن أريد منك أن تزوري عند شقيقتي بينما أختبر زوجتي هذه؛ هل تحب حماتها أم تعذبها؟ فإذا وجدتها تحب حماتها أتيت بك، وإذا وجدتها تعذبها طلقتها وأتيت بك.”
وقبل يوم الزواج طلب من بائع الحلوى أن يصنع له كتلة كبيرة من الحلوى بقدر حجم المرأة تقريبا، وأخذ هذه الكتلة ووضعها على كرسي في إحدى غرف البيت وغطاها بغطاء، ووضع أمامها طاولة.
وأتت زوجته إلى البيت، ومن أول يوم قالت له: “أين أمك؟ أريد أن أسلم عليها، وأن أخدمها بعيوني.”
فأخذها إلى غرفتها وفتح لها الباب، وقال لها: “انظري إليها كيف هي جالسة على الكرسي وساترة جميع جسمها بالغطاء، إنها لا تكلم أحدا، ولا تضايق أحدا، وما عليك إلا أن تضعي لها صحن الطعام وكأس الماء على الطاولة التي أمامها وأنا أتكفل بجميع شؤونها، وإن شاء الله لا تتضايقين منها.”
فقالت له: “أنا أتضايق منها؟! أنا أحملها فوق رأسي وأخدمها بعيوني، وسوف ترى إن شاء الله.”
ظهور الوجه الحقيقي للكنة
وصارت الكنة كل يوم تملأ لها صحنا من الطعام الذي يأكلون منه، وكأسا من الماء الذي يشربون منه، وتضعهما على الطاولة التي أمام حماتها بعد أن تسلم عليها وتقول لها: “بالهنا والشفا إن شاء الله يا حماتي، مطرح ما يسري يمري.”
وكان الزوج يدخل في الليل بعد أن تنام زوجته، إلى غرفة أمه، ويأخذ الطعام والشراب ويعيدهما إلى المطبخ. ومضى على ذلك بضعة أسابيع، ثم أخذت الزوجة تتأخر في إحضار الطعام والشراب لحماتها، ثم أخذت تضع لها من الطعام البايت عندهم أو الفاسد، وتملأ كأسها من الماء الوسخ غير النظيف، وتقول لها عندما تحضر لها الطعام والشراب: “مطرح ما يسري يهري، أنت بلوة ابتليت بها، متى ستموتين وأرتاح منك؟!”
وزوجها يرى ويسمع كل ذلك وهو ساكت. وكانت تأتي إلى زوجها وتقول له كذبا: “كيف تقول إن أمك لا تتكلم؟! فقد شتمتني اليوم وهزأتني وبهدلتني، شوف لك طريقة معها، يا أنا يا هي في البيت.”
فيقول لها: “أمي عاجزة أين أذهب بها؟! وأنا قلت لك منذ البدء إن عندي أم عاجزة، ولا أريد منك إلا أن تقدمي لها صحن الطعام وكأس الماء، وأنا أريد رضا أمي، وإذا أسأت إليها فإنني سوف أطلقك.”
فتكتم غيظها وتسكت على مضض.
نهاية الخداع وكشف الحقيقة
وأخيرا تضايقت كثيرا من حماتها (الوهمية) ومن وجودها معها، وأرادت أن تتخلص منها نهائيا، فذهبت إلى المطبخ وحملت يد الجرن وهي من الحجر الأسود، وفتحت باب غرفة حماتها وهجمت عليها وضربتها على رأسها بيد الجرن، فتطايرت قطع الحلوى في أنحاء الغرفة، ودخلت قطعة منها إلى فمها فإذا هي حلوة. فاندهشت وسمعت ضحكة خلفها، فالتفتت فرأت زوجها واقفا في باب الغرفة وهو يضحك ويقول لها: “لم تستطيعي أن تتحملي حماتك، وهي من حلاوة، وكنت تقولين: سأخدمها بعيوني!! فكيف لو كانت حماة حقيقية؟! اذهبي فأنت طالق.”
وأعاد أمه إلى البيت وعاش معها، وكسب رضاها ورضا الله.
صحيح، إن الحماة ثقيلة على قلب الكنة حتى لو كانت لا تتكلم ولا تتحرك، إلا من عصم الله تعالى، ولكن لتتذكر الكنة أنها ستصبح حماة في يوم من الأيام، والدنيا دين ووفا.